المغرب يدخل نادي كبرى الدول المنتجة لبطاريات تخزين الطاقة الصناعية

يشهد المغرب خطوة نوعية في مسار تطويره الطاقي والصناعي مع الإعلان عن مشروع ضخم لإنتاج بطاريات تخزين الكهرباء على نطاق صناعي، من قبل شركة Gotion High-Tech الصينية، بطاقة تصل إلى 20 جيغاوات.
ويستهدف المشروع أساسًا السوق الأوروبية، على أن يبدأ الإنتاج خلال الربع الثالث من عام 2026، ليضع المملكة ضمن دائرة الدول الرائدة عالميًا في قطاع حيوي للتحول الطاقي.
ولا يقتصر الأثر على حجم المشروع أو قدرته الإنتاجية، بل يتعداه إلى دلالاته الجيو-اقتصادية؛ فاختيار المغرب كقاعدة صناعية للبطاريات الموجهة لأوروبا يعكس الثقة في موقعه الجغرافي الاستراتيجي واستقراره السياسي، إضافة إلى توفر بنية صناعية ولوجستية متكاملة، فضلاً عن استفادته من اتفاقيات التبادل الحر التي تمنحه أفضلية تنافسية مقارنة بدول أخرى.
ويعتبر تخزين الطاقة الحلقة المفقودة في منظومات الطاقات المتجددة، إذ لا يمكن لأي انتقال طاقي حقيقي أن ينجح دون ضمان استمرارية الإمداد الكهربائي.
ومن هذا المنطلق، ينسجم المشروع بشكل مباشر مع الاستراتيجية الوطنية للطاقة التي جعلت من الطاقات الشمسية والريحية محورًا رئيسيًا، لكنه يضيف بعدًا جديدًا يركز على التحكم في سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة، وليس الاكتفاء بإنتاجها فقط.
كما يعزز المشروع مكانة المغرب في الصناعات المستقبلية المرتبطة بالتحول الأخضر، خصوصًا في ظل الطلب الأوروبي المتزايد على البطاريات، سواء لتخزين الطاقة المتجددة أو دعم قطاع السيارات الكهربائية. ومع سعي أوروبا لتقليص تبعيتها لسلاسل التوريد الآسيوية، يبرز المغرب كشريك قريب وموثوق يجمع بين التكلفة التنافسية والمعايير البيئية والصناعية الصارمة.
وعلى الصعيد الصناعي، من المتوقع أن يسهم المشروع في نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المغربية في مجالات الهندسة الكيميائية، والكهروتقنية، وإدارة الأنظمة الطاقية المعقدة. كما سيفتح الباب أمام نشوء منظومة صناعية متكاملة تشمل الموردين، والبحث التطبيقي، والخدمات اللوجستية، ما يعزز الأثر الاقتصادي طويل المدى للمشروع.
ولا يقل البعد الجيوسياسي أهمية عن البعد الصناعي، إذ يعزز المشروع دور المغرب كفاعل محوري في الأمن الطاقي الإقليمي، ويمنحه ورقة تفاوضية قوية في شراكات المستقبل المتعلقة بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء. فالدخول إلى نادي الدول المنتجة لبطاريات التخزين بكميات صناعية كبيرة يمنح المغرب موقعًا استراتيجيًا في عالم يسير بسرعة نحو إزالة الكربون.
وبالتالي، يمثل مشروع Gotion High-Tech أكثر من مجرد استثمار صناعي؛ إنه علامة على انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة من الاندماج في سلاسل القيمة العالمية للطاقة والتكنولوجيا، مع تعزيز دوره ليس فقط كمنتج للطاقة المتجددة، بل كمنصة صناعية متقدمة تشكل ملامح المستقبل الطاقي للمنطقة وأوروبا على حد سواء.




