الأسواق الأمريكية على مفترق الطرق: صعود قياسي أم فقاعة محتملة؟

مع بداية عام 2025، شهدت أسواق الأسهم الأمريكية موجة صعود غير مسبوقة، جذبت المستثمرين الباحثين عن فرص في قطاع التكنولوجيا.
من بينهم المستثمر الأمريكي “أليكس جونسون”، الذي قرر خوض تجربة استثمارية جريئة بشراء أسهم شركات كبرى مثل إنفيديا، آبل، ومايكروسوفت بمبلغ 50 ألف دولار، مستفيدًا من التفاؤل الكبير الذي اجتاح السوق.
وبعد ستة أشهر فقط، تضاعفت محفظته لتصل إلى نحو 100 ألف دولار، مدفوعة بالطلب المتزايد على رقائق الذكاء الاصطناعي والابتكارات التكنولوجية التي أحدثت ضجة عالمية في الأسواق المالية.
مع كل ارتفاع جديد، شعر “جونسون” بمزيج من الإثارة والفخر، لكنه لم يخف القلق الذي بدأ يتسلل إليه، خاصة مع تسجيل بعض الأسهم مضاعفات ربحية مرتفعة للغاية، ما دفعه للتساؤل يوميًا: هل هذه المكاسب مبنية على أسس اقتصادية حقيقية، أم أنها فقاعة قد تنهار فجأة؟
بحسب بيانات نهاية 2025، بلغ متوسط مضاعف الأرباح المستقبلي لمؤشر “ستاندرد آند بورز 500” نحو 30 مرة، أي أن المستثمرين كانوا مستعدين لدفع 30 دولارًا مقابل كل دولار من الأرباح المتوقعة، متجاوزًا المتوسط التاريخي الذي يتراوح عادة بين أوائل ومنتصف العشرينيات.
كما ارتفعت نسبة السعر إلى الأرباح المعدلة على مدى عشر سنوات (CAPE) إلى 39.85، قريبة من ذروة فقاعة الإنترنت التي سجلت 44.19، وهو ما يعتبره المحللون مؤشرًا واضحًا على وجود تقييمات مرتفعة قد تنطوي على مخاطر.

ويشير مؤشر “بافيت” – نسبة القيمة السوقية الإجمالية للأسهم إلى الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة – إلى مستويات تقارب 230%، أي أكثر من ضعف الناتج المحلي، وهو مستوى تاريخيًا ارتبط بحدوث تصحيحات كبيرة في الأسواق.
يعتمد الصعود الحالي بشكل كبير على سبع شركات تكنولوجية عملاقة: آبل، مايكروسوفت، إنفيديا، ألفابت، أمازون، ميتا بلاتفورمز، وتسلا، حيث شكلت هذه الشركات أكثر من 35% من إجمالي قيمة مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” في 2025، وهو تركيز نادر تاريخيًا.
وقد شهدت شركات مثل إنفيديا نموًا هائلًا مدفوعًا بالطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي، بينما تجاوزت القيمة السوقية لكل من آبل ومايكروسوفت حاجز 3 تريليونات دولار. وتشير التقديرات إلى أن شركات “ستاندرد آند بورز 500” أنفقت أكثر من 1.25 تريليون دولار على مشاريع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لتصبح هذه الموجة من أكبر دورات الاستثمار في تاريخ الشركات الأمريكية.
ومع ذلك، يحذر محللون من أن هذه الطفرة قد تعكس حالة من التفاؤل المفرط، خاصة أن العوائد الفعلية على هذه الاستثمارات قد تستغرق وقتًا أطول من توقعات السوق، ما قد يخلق فجوة بين التقييمات والنتائج الفعلية.
إلى جانب تقييمات الشركات، لعبت السياسة النقدية دورًا رئيسيًا في دعم الأسواق. خلال 2025 وبداية 2026، بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تخفيف معدلات الفائدة تدريجيًا إلى نطاق 3.5-3.75%، وهو مستوى أقل تشددًا من السنوات السابقة، لكنه يظل عامل ضغط محتمل إذا عاد التضخم للارتفاع.
ورغم هذه المخاطر، أظهرت أرباح الشركات الأمريكية مرونة ملحوظة، خاصة في قطاع التكنولوجيا، مع توقع موسم أرباح قوي يُعد الأقوى منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 باستثناء التعافي بعد جائحة كورونا.
اليوم، تقف أسواق الأسهم الأمريكية عند مفترق طرق. الصعود القياسي يعكس ثقة قوية في قدرة الشركات الكبرى على تحقيق نمو مستدام، بينما تشير مؤشرات التقييم المرتفعة وتركيز الأداء في عدد محدود من الشركات إلى مخاطر حقيقية لا يمكن تجاهلها.
ويبدو أن استمرار الصعود مرتبط بقدرة الابتكارات التكنولوجية على تحويل الوعود إلى أرباح فعلية، إلى جانب استقرار البيئة الاقتصادية. وفي المقابل، أي صدمة في الأرباح أو تشديد مفاجئ للسياسة النقدية قد يؤدي إلى تصحيح حاد للأسواق.
في ظل هذا الواقع، يظل الحذر والتنويع الاستثماري من أكثر الاستراتيجيات عقلانية، بينما يترقب المستثمرون المرحلة المقبلة لمعرفة ما إذا كانت الأسواق ستواصل الصعود أم تكشف عن فقاعة محتملة على وشك الانفجار.




