ازدحام غير مسبوق في ميناء الدار البيضاء يرفع كلفة التجارة ويهدد سلاسل الإمداد

تعيش حركة الموانئ بالمغرب، وعلى رأسها ميناء الدار البيضاء، حالة من الفوضى غير المسبوقة، حيث أدى الضغط الكبير على المرافق اللوجستية إلى تأجيل السفن وزيادة تكاليف الخدمات، ما يطرح علامات استفهام حول جاهزية البنية التحتية لمواكبة النمو التجاري المتسارع.
وتكشف مصادر مهنية أن الميناء يتعامل عادة مع نحو 100 ألف حاوية قياسية شهريًا، إلا أن الطلب المتزايد خلال الأسابيع الأخيرة تسبب في اختناقات تشغيلية انعكست مباشرة على رسوم الشحن والتفريغ والتخزين، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الانتظار الطويل للسفن في عرض البحر.
وأفادت شركات شحن دولية بفرض رسوم إضافية تتجاوز 150 دولارًا للحاوية، مقارنة بـ20 إلى 40 دولارًا سابقًا، فيما أعلنت شركة “ميرسك” بدء تطبيق هذه الزيادة اعتبارًا من فاتح فبراير 2026، وسط توقعات بانضمام شركات أخرى إذا استمر الازدحام.
ويؤكد خبراء أن هذه الزيادات قد تصل إلى ملايين الدولارات شهريًا على التجارة المغربية، مما قد يضعف قدرة المقاولات الوطنية على المنافسة في الأسواق العالمية. كما أن انتظار السفن في عرض البحر يرفع كلفة تشغيل السفن إلى نحو 10 آلاف دولار يوميًا، وهو ما وصل إلى ذروته منتصف يناير الماضي، مع رصد أكثر من 100 سفينة راسية قبالة سواحل الدار البيضاء والجرف الأصفر، بينها عدد كبير من سفن الحاويات.
ويترتب عن هذا الضغط تأخيرات ملحوظة في آجال التسليم وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية، ما أثر سلبًا على سلاسل التوريد في قطاعات صناعية وتجارية عدة. في حين يرى بعض المتدخلين أن الظروف المناخية القاسية ساهمت جزئيًا في الأزمة، يشير خبراء اللوجستيك إلى أن الأسباب الحقيقية تتعلق باختلالات تنظيمية، وضغط متزايد على الطاقة الاستيعابية، بالإضافة إلى محدودية الموارد البشرية والمعدات خلال فترات الذروة.
ويحذر المختصون من أن استمرار هذه الضغوط سيزيد من تعقيد الوضع مع استمرار نمو حجم المبادلات التجارية، داعين إلى تنسيق عاجل بين الوكالة الوطنية للموانئ ووزارة التجهيز والماء ومشغلي النقل البحري لتخفيف الرسوم ومنح الشركات هوامش زمنية مرنة.
وفي هذا السياق، أعلنت لجنة اللوجستيك التابعة للاتحاد العام لمقاولات المغرب عن إطلاق مشاورات مع الأطراف المعنية، واقتراح حلول عملية تشمل تحسين إدارة مواعيد الرسو، تسريع وتيرة المناولة، وتوزيع تدفقات الحاويات بشكل متوازن.
ويحذر المهنيون من أن هذه الأزمة قد تنعكس على المستهلك النهائي من خلال ارتفاع أسعار بعض السلع المستوردة، إضافة إلى تأثيرها على صرف العملة الصعبة نتيجة المدفوعات الإضافية لشركات الملاحة الأجنبية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام السلطات والفاعلين الاقتصاديين هو إيجاد حلول مستدامة تجمع بين إدارة الظرفية الحالية وتسريع الإصلاحات الهيكلية في القطاع المينائي، لضمان تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني واستقرار سلاسل الإمداد.




