المعادن البيضاء تتصدر الأسواق: من سباق الملاذات الآمنة إلى موجة المضاربة العالمية

في ظل شتاء قارس في يناير 2026، وبينما كانت قمم جبال الألب في “دافوس” تكسوها الثلوج البيضاء، لم يكن المستثمرون يتوقعون أن تتحول تصريحات سياسية إلى شرارة تلهب الأسواق العالمية.
الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” فجر صدمة مدوية بتهديده بفرض تعريفات جمركية بين 10% و25% على حلفاء “الناتو”، في حال لم يتم إتمام مفاوضات بيع “جرينلاند”.
ردود الفعل كانت سريعة، إذ انطلق المستثمرون في سباق محموم نحو الملاذات الآمنة، مع صعود الذهب إلى مستويات قريبة من 5000 دولار للأوقية.
لكن النجوم الحقيقية في هذا المشهد المتقلب كانت المعادن البيضاء، حيث سجلت الفضة والبلاتين مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ عقود، محولة تقلبات السياسة إلى فرص استثمارية كبيرة.
ارتفعت الفضة لتبلغ 117.7 دولارًا للأوقية، محققة مكاسب تتجاوز 60% منذ مطلع 2026. وجمع المعدن بين الطلب الاستثماري المرتفع والاستخدام الصناعي في قطاعات الرقائق والطاقة الشمسية، ما منحها صفة “الحصان الجامح” في سباق المعادن.
ويشير محللو “سيتي جروب” إلى أن مستوى 100 دولار أصبح قاعدة سعرية، بينما يذهب “روبرت كيوساكي” إلى توقع وصول الفضة إلى 200 دولار قبل نهاية العام.
لا يعكس صعود الفضة التوترات السياسية فحسب، بل يكشف عن عجز هيكلي في الإمدادات للسنة الخامسة على التوالي. فقد بلغ النقص نحو 95 مليون أوقية في 2025، مع تراكم عجز بين 2021 و2025 يصل إلى نحو 820 مليون أوقية، بينما شهدت مخزونات بورصة “كومكس” تراجعًا بنسبة 26% خلال أسبوع واحد فقط هذا الشهر.
بدأت بكين في يناير 2026 تطبيق نظام صارم لترخيص تصدير الفضة المكررة، مقتصرًا على 44 شركة، مع اشتراط إنتاج سنوي لا يقل عن 80 طنًا وخطوط ائتمان تزيد على 30 مليون دولار، لتأمين احتياجاتها المحلية المتزايدة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والطاقة الشمسية.
سجل البلاتين مستوى قياسيًا عند 2918.80 دولار للأوقية، مدفوعًا بنقص الإنتاج في جنوب إفريقيا، التي تمثل نحو 80% من المعروض العالمي وتعاني من أزمات الطاقة وارتفاع تكاليف التشغيل.
ويرجح المجلس العالمي لاستثمار البلاتين استمرار العجز حتى عام 2029، خاصة مع توسع “اقتصاد الهيدروجين” وزيادة الطلب على المعدن في خلايا الوقود وأجهزة التحليل الكهربائي.
ارتفع البلاديوم بنسبة 25.7% منذ بداية 2026، مستفيدًا من تباطؤ التحول الكامل للسيارات الكهربائية واعتماد أكبر على السيارات الهجينة، فيما زادت المخاوف بشأن الإمدادات الروسية من تقلبات السوق.

أما المعادن النادرة في مجموعة البلاتين، فقد حققت مكاسب غير مسبوقة، حيث بلغ الروديوم 10,775 دولارًا، والإيريديوم 6,450 دولارًا، والروثينيوم 1,425 دولارًا، لتصبح هذه المعادن عناصر حاسمة في تقنيات المستقبل، من الهيدروجين الأخضر إلى مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
أجرت “سي إم إي” تعديلات على متطلبات الهامش، لتصبح 9% للفضة والبلاتين و11% للبلاديوم، لضمان استقرار السوق وسط الارتفاعات القياسية للعقود الآجلة.
ومع ذلك، يحذر محللو “ساكسو بنك” و”إتش إس بي سي” من احتمالية تشكل فقاعة قد تؤدي إلى تصحيح حاد يصل إلى 45%، مؤكدين أن الاستثمار في المعادن اليوم يتطلب فهماً دقيقاً للتحولات الجيواقتصادية والسياسية العالمية.




