الديزل الروسي يقلب المعادلة: من محرّك صعود إلى عامل ضغط في أسواق التقطير العالمية

شهدت أسواق نواتج التقطير المتوسطة تحولًا لافتًا مع مطلع عام 2026، بعدما انتقل الديزل الروسي من كونه القوة الدافعة وراء ارتفاع هوامش التكرير طوال عام 2025 إلى عامل هبوطي يضغط على الأسعار ويعيد رسم ملامح التجارة العالمية للوقود.
هذا التحول انعكس مباشرة على “فارق كسر الديزل” الأوروبي، الذي كان قد قفز من مستويات متواضعة في بداية 2025 إلى ذروة تاريخية قبل أن يتراجع مع عودة الإمدادات الروسية إلى السوق.
فخلال العام الماضي، قادت ندرة الديزل الروسي موجة صعود حادة في الهوامش، إذ ارتفع فارق السعر من نحو 16 دولارًا للبرميل في يناير 2025 إلى أكثر من 34 دولارًا في نوفمبر من العام نفسه، مدفوعًا بتراجع الصادرات الروسية إلى مستويات غير مسبوقة.
غير أن الصورة تغيّرت في مطلع 2026، حيث تراجع المتوسط إلى ما يقارب 22 دولارًا للبرميل مع تعافي معدلات التشغيل في المصافي الروسية واستئناف تدفقات التصدير.
وجاء هذا التحول بعد أشهر من الاضطرابات في البنية التحتية للتكرير داخل روسيا، حيث تعرضت مصافٍ رئيسية لسلسلة من الهجمات بطائرات مسيّرة خلال عام 2025، أدت إلى تعطّل جزء ملموس من الطاقة التكريرية وانكماش الصادرات إلى أدنى مستوى لها في خمس سنوات.
هذه الضربات، التي بلغت ذروتها في الخريف، دفعت موسكو إلى فرض قيود مؤقتة على شحنات الديزل في محاولة لحماية الإمدادات المحلية.
لكن مع دخول ديسمبر، بدأت المصافي الروسية في استعادة نشاطها بوتيرة أسرع من المتوقع. وارتفعت معدلات التكرير والإنتاج إلى أعلى مستوياتها منذ عام تقريبًا، ما أعاد تدفقات الديزل إلى الأسواق العالمية.
وأظهرت بيانات الشحن ارتفاعًا ملحوظًا في كميات التحميل عبر موانئ بحر البلطيق، في مؤشر على إعادة توجيه مسارات التجارة بعيدًا عن البحر الأسود الذي أصبح أكثر عرضة للمخاطر الأمنية.
هذا التعافي انعكس أيضًا على المخزونات المحلية، التي سجلت مستويات قياسية خلال ثلاث سنوات، ما فتح الباب أمام مناقشات داخلية في موسكو لرفع بعض القيود المفروضة على التصدير. ورغم أن العقوبات الأوروبية التي دخلت حيز التنفيذ في أواخر يناير منحت الهوامش دفعة مؤقتة، فإن عودة الإمدادات الروسية سرعان ما أعادت الضغوط النزولية إلى السوق.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، برزت البرازيل كمثال حي على جاذبية الديزل الروسي المخفّض السعر. فبعد تراجع حاد في وارداتها خلال النصف الثاني من 2025 بسبب القيود السياسية وتقلص الإمدادات، عادت مشترياتها للارتفاع مع نهاية العام، مدفوعة بالحاجة المحلية للوقود والتسعير التنافسي، حتى في ظل استمرار الضغوط الغربية.
ويرى مراقبون أن المشهد الجديد يكرّس ثلاث حقائق أساسية: أولها أن قطاع التكرير الروسي بات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وإصلاح الأضرار بسرعة، ما يقلل من أثر الهجمات على المدى المتوسط. ثانيها أن تعافي الطاقة التكريرية قد يدفع موسكو إلى تقليص صادرات الخام مقابل تعزيز صادرات المنتجات المكررة.
أما ثالثها، فهو أن الحوافز الاقتصادية المرتبطة بالأسعار المخفّضة تظل أقوى من الاعتبارات السياسية في كثير من الأسواق، ما يجعل الديزل الروسي حاضرًا بقوة في تجارة الوقود العالمية خلال الأشهر المقبلة.




