المستثمر الشاب.. كيف سحق “جيل زد” قواعد اللعبة المالية القديمة؟

في عالم يتسارع فيه كل شيء، من تطورات السوق إلى ضغوط التكنولوجيا، أصبح الاستثمار بالنسبة إلى جيل “زد” أكثر من مجرد أرقام أو محافظ مالية. إنه اختبار مباشر للثقة، ليس فقط بالمؤسسات المالية، بل بالنظام الاقتصادي بأسره.
هذا الجيل، الذي نشأ في بيئة مليئة بالأزمات المالية المتلاحقة والتغيرات التكنولوجية السريعة، لم يعد يرى المال كأداة ثابتة، بل كمرآة تكشف عن موثوقية المؤسسات وقدرتها على الاستجابة لاحتياجاتهم المتغيرة.

تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى تراجع الثقة في المؤسسات التقليدية خلال العامين الماضيين، بما في ذلك البنوك وشركات التكنولوجيا.
ومع ذلك، يظهر مؤشر “إيدلمان للثقة في الخدمات المالية” أن مستوى الثقة لدى جيل زد قريب من نظيره في الأجيال الأخرى، لكنه يرافقه اتجاه متزايد نحو “العدمية الاقتصادية”. بعض الشباب فقدوا الأمل في امتلاك منزل أو تحقيق أهداف مالية تقليدية، معتبرين أن النظام المالي الحالي لا يعكس طموحاتهم.
يبدأ نحو ثلث جيل زد الاستثمار في مرحلة مبكرة، سواء أثناء الدراسة أو عند بداية البلوغ، وهو ضعف ما كان عليه الحال مع جيل الألفية. كما أن أكثر من نصف المستجوبين بدأوا تعلم أساسيات الاستثمار قبل دخول سوق العمل، مقارنة بـ20% فقط من جيل الطفرة السكانية.
ويعكس هذا التوجه اعتمادهم الأكبر على الأدوات الرقمية وتطبيقات التكنولوجيا المالية، التي تتيح الاستثمار بضغطة زر وفي أي وقت، كما يميلون إلى الأصول المعقدة مثل العملات الرقمية والأصول البديلة، التي تشكل نحو ثلث محافظهم الاستثمارية، مقارنة بمحافظ الأجيال الأكبر التي تركز على الاستثمارات التقليدية والتحوط ضد المخاطر.
يمتنع العديد من الشباب عن الاستثمار لأسباب مالية أو خوف من الخسارة، بينما يرى 20% منهم أن السبب هو عدم الثقة في المؤسسات المالية.
أما من هم بالفعل مستثمرون، فيؤكدون أنهم سيزيدون استثماراتهم إذا أتيحت لهم فرص تعليمية أفضل أو أُسهلت عملية الاستثمار، أو إذا شعروا بالثقة الأكبر في المنصات المالية.
أظهرت الدراسات أن العوامل الرئيسية التي تدعم الثقة لدى جيل زد تشمل:
حماية البيانات والأمان الشخصي
الشفافية في الرسوم والتكاليف
الوصول إلى أبحاث وتوصيات استثمارية موثوقة
توصيات الأصدقاء والعائلة
ويُفضل هذا الجيل التعلم بالممارسة، مستفيدًا من شبكاته الرقمية والاجتماعية لتوجيه قراراته المالية، مع ميل واضح نحو البساطة وسهولة الوصول والتخصيص. كما أبدى انفتاحًا أكبر على مشاركة بياناته مع شركات التكنولوجيا المالية واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الاستثمارات مقارنة بالأجيال الأكبر.
على الرغم من اعتماد جيل زد الأقل على المستشارين التقليديين، فإنه يولي أهمية كبيرة للأدوات الرقمية مثل المستشارين الآليين وتطبيقات إدارة الميزانية. كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصة رئيسية للحصول على نصائح مالية من “المؤثرين الماليين”، الذين يقدمون محتوى مباشرًا وبسيطًا وغالبًا مجانيًا.
يمكن للمؤسسات المالية تعزيز الثقة لدى الشباب عبر ثلاث محاور أساسية:
الشفافية وسهولة الوصول: توفير استشارات مالية ميسورة ومخصصة، مع تبسيط أدوات الذكاء الاصطناعي لفهم القرارات الاستثمارية.
رفع الثقافة المالية منذ الصغر: إدراج برامج تعليمية مالية منذ المراحل الابتدائية، مع فرص التعلم مدى الحياة لضمان معرفة مناسبة لكل مرحلة عمرية.
توجيه الخطاب نحو الشباب: تحسين تجربة المستخدم في المنصات الرقمية، والشراكة مع مؤثرين موثوقين لنشر معلومات مالية دقيقة ومحايدة.
في نهاية المطاف، تظل الثقة عملة نادرة لا تُكتسب بسهولة، لكنها المفتاح الأساسي لبناء نظام مالي مستدام يواكب احتياجات جيل زد ويُمكّنه من الاستثمار بثقة في عالم متغير بسرعة.




