الاقتصادية

واشنطن تهتز.. التحقيق الجنائي بالفيدرالي يصدم الأسواق والدولار يتهاوى

في خطوة لم يشهدها تاريخ الولايات المتحدة مؤخراً، انطلقت موجة صادمة من واشنطن بعد إعلان رئيس الاحتياطي الفيدرالي “جيروم باول” في فيديو مسائي أن المؤسسة المالية الأهم في العالم أصبحت رسمياً تحت مجهر التحقيق الجنائي، ما أشعل الذعر بين المستثمرين وأعاد إلى الواجهة مخاوف تتعلق بمستقبل الدولار والنظام المالي العالمي.

لم يكن هذا الإعلان مجرد حدث قانوني عابر، بل جاء بعد عام من التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتتالية، بدءاً من العجز المالي المتفاقم، مروراً بحروب التعريفات الجمركية، وانتهاءً بخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، ما جعل الأسواق أكثر هشاشة أمام أي صدمة جديدة.

أسواق المال، التي شهدت بالفعل ظاهرة “بيع أمريكا” في ربيع 2025، تفاعلت بسرعة مع الأزمة الجديدة، متجهة للتخلص من الأصول الدولارية والتحوط بالذهب والعملات المنافسة، في مؤشر واضح على فقدان الثقة في الاستقرار المؤسسي والاقتصادي للولايات المتحدة.

في الثاني عشر من يناير، تعرض الدولار لموجة بيع واسعة أمام العملات الرئيسية، بينما تراجعت الأسهم والسندات الأمريكية، في انعكاس واضح لمخاوف المستثمرين من دخول واشنطن مرحلة “عدم اليقين المؤسسي”.

وقد شبّه محللون هذه الأزمة بما حدث في أبريل 2025، حين دفعت التعريفات الجمركية المستثمرين للابتعاد عن الأصول الأمريكية.

وصف “باول” التحقيق بأنه محاولة لتقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، مؤكداً رفضه الخضوع لضغوط الرئيس السابق “دونالد ترامب” لخفض أسعار الفائدة قسرياً.

ويرى اقتصاديون بارزون مثل “بين برنانكي” و”جانيت يلين” أن تسييس السياسة النقدية يحوّل الولايات المتحدة إلى نموذج يشبه الأسواق الناشئة ذات المؤسسات الهشة، مما يرفع “علاوة المخاطر” للاستثمار في الأصول الأمريكية.

مع تصاعد القلق، لجأ كبار المستثمرين مجدداً إلى بيع الدولار وسندات الخزانة والأسهم الأمريكية، والتحوط بالأصول الحقيقية. ويشير محللو “دويتشه بنك” و”جي بي مورجان” إلى أن هذه المرة، الدافع ليس البيانات الاقتصادية بل المخاطر المؤسسية والجيوسياسية الداخلية.

ارتفع الذهب إلى مستوى قياسي عند 4600 دولار للأوقية، فيما سجلت الفضة مكاسب تجاوزت 25% منذ مطلع العام. وبرز النحاس والقصدير كتحوطات غير مباشرة. على صعيد العملات، تصدّر الفرنك السويسري قائمة الرابحين كملاذ آمن، بينما استثمر اليورو والكرونة السويدية المكاسب المحتملة، مع توقعات بوصول زوج اليورو/دولار إلى مستويات 1.16 – 1.175 إذا استمر اضطراب الأسواق.

شهدت سوق الديون الأمريكية تقلبات حادة، إذ تجاوزت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات 4.2%، في مؤشر على طلب المستثمرين لعلاوة مخاطر أعلى لمواجهة غموض المشهد المالي. ويصف المحللون هذا السلوك بأنه “زيادة حدة ميل منحنى العائد”، ما يعمّق الضغوط على الدولار الأمريكي.

التدخل السياسي لإجبار الفيدرالي على خفض الفائدة قبل الأوان يرفع المخاطر التضخمية، بحسب “جان هاتزيوس”، كبير اقتصاديي “جولدمان ساكس”.

ويؤكد أن استقلالية الفيدرالي هي الضمان الوحيد لاتخاذ قرارات قائمة على بيانات اقتصادية حقيقية، وأن فقدانها قد يؤدي إلى ارتفاع توقعات التضخم طويلة الأجل وتراجع القوة الشرائية للدولار.

أدى التحقيق الجنائي إلى مواجهة سياسية داخلية، مع تعهد السيناتور الجمهوري “توم تيليس” بعرقلة أي تعيين للفيدرالي حتى حل الأزمة، بينما نأى البيت الأبيض بنفسه عن القضية.

وفي الوقت ذاته، واصل ترامب انتقاد “باول”، ما خلق بيئة استثمارية مشحونة جمعت بين السلطة التنفيذية والتشريعية والنقدية.

تتزامن الأزمة الحالية مع سلسلة من السياسات غير التقليدية للرئيس ، بما في ذلك تحديد سقف فائدة بطاقات الائتمان عند 10% لمدة عام وتقييد الاستثمار المؤسسي في العقارات، ما أدى إلى تراجع أسهم البنوك وشركات الخدمات المالية، وزاد شعور المستثمرين بتآكل المبادئ الأساسية للسوق الحرة في الولايات المتحدة.

لا يمكن تجاهل صدمة مايو 2025، عندما خفضت وكالة “موديز” التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، محذرة من أن العجز المتصاعد والسياسات الضريبية غير المستدامة تهدد الجدارة الائتمانية. اليوم، تؤكد الأزمة الحالية أن الولايات المتحدة تواجه حلقة جديدة من تحديات فقدان الانضباط المالي والمؤسسي، مع انعكاسات محتملة على الاقتصاد العالمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى