الاقتصادية

نوكيا: رحلة من القمة إلى درس في الابتكار الضائع

تخيل أنك تمسك جوالك القديم، فتومض الشاشة الزرقاء بشعار أيادٍ متشابكة، وتصدح النغمة المميزة، ثم تفتح اللعبة الأسطورية “الثعبان”.

لحظة قصيرة، لكنها كافية لتعيد إلى الأذهان عصرًا كانت فيه هواتف نوكيا رمزًا للمتانة والاعتمادية، حيث البطاريات تدوم أيامًا، والشعبية الهائلة تجعلها محط أنظار الجميع.

اليوم، أصبح هذا الهاتف قطعة أثرية بين أيدي الأجيال الجديدة، بعد أن سيطرت الهواتف الذكية الحديثة على المشهد بقدرتها على التكيف مع احتياجات المستهلكين.

لم تبدأ نوكيا مسيرتها في عالم الهواتف، بل كانت في صناعة الورق عام 1865، ثم توسعت إلى المطاط، قبل أن تفتح بوابة عالم الاتصالات في منتصف القرن العشرين.

وقد أصبحت أول شركة في العالم تنشئ شبكة خلوية، ممهدة الطريق لعصر الهواتف المحمولة.

في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، كانت نوكيا تتربع على عرش الهواتف المحمولة عالميًا، مستثمرة أموالًا طائلة في البحث والتطوير. ومع ذلك، أخفقت في إدراك التحول الكبير نحو البيانات والتطبيقات، معتقدة أن المستقبل سيكون كما كان دائمًا للمكالمات الصوتية.

هذا التمسك بالماضي، والتركيز على الأجهزة بدل البرمجيات، جعل الشركة تفقد مكانتها تدريجيًا، لتتراجع حصتها السوقية من 49.7% في 2007 إلى 3% فقط بحلول 2013، بينما صعدت سامسونج وآبل لتصبحا قوى لا يُستهان بها في سوق الهواتف الذكية.


سلسلة الأخطاء الاستراتيجية

1. التمسك بالتصميم التقليدي
في 2004، أطلقت موتورولا هاتفها القابل للطي “رازر”، بينما اعتبرت نوكيا الأمر مجرد موضة عابرة. استمرت الشركة في إنتاج هواتفها الكلاسيكية، فيما باعت موتورولا أكثر من 50 مليون وحدة بحلول 2006، مما كشف عن فشل نوكيا في قراءة اتجاهات السوق.

2. نظام التشغيل
اعتمدت نوكيا على “سيمبيان”، الذي كان رائدًا في البداية، لكنه أصبح بطيئًا وغير مدعوم من التطبيقات مقارنة بـ”أندرويد” و”آي أو إس”. محاولة التعويض عبر “ميجو” ثم “ويندوز فون” جاءت متأخرة، بينما كانت فرصة الشراكة المبكرة مع أندرويد قد تحفظ لها موقعًا تنافسيًا.

3. التسويق والتوزيع
ركزت نوكيا على البيع المباشر للمستهلكين دون شراكات استراتيجية مع شركات الاتصالات، بينما كانت العقود المدعومة بالشبكات شائعة في أسواق رئيسية مثل أمريكا، مما أتاح للمنافسين التوسع بسرعة أكبر.

وحتى المحاولات الإبداعية في التسويق، مثل الترويج عبر فيلم “ستار تريك 2009″، لم تكن كافية لإنقاذ الشركة من التراجع.

في سبتمبر 2013، استحوذت مايكروسوفت على معظم أعمال نوكيا مقابل 7.2 مليار دولار، على أمل دمج خبرتها في البرمجيات مع خبرة نوكيا في الأجهزة.

لكن التجربة أثبتت فشلها في مواجهة أندرويد وiOS، وأدت في النهاية إلى بيع الشركة في 2016 مقابل 350 مليون دولار، مع استعادة العلامة التجارية فنلنديًا تحت إدارة “إتش إم دي”، بينما استحوذت “فوكسكون” على خطوط الإنتاج والتصنيع.

يربط كثيرون تراجع نوكيا بظهور الآيفون عام 2007، لكن الحقيقة أن الشركة كانت تدفع ثمن سنوات من الأخطاء الاستراتيجية، أبرزها التركيز على الأجهزة وإهمال البرمجيات.

هذه التجربة تشكل درسًا مهمًا في أهمية الابتكار والتكيف مع التحولات التكنولوجية في الوقت المناسب.

نوكيا لم تنهار بين ليلة وضحاها، بل كان انهيارها نتيجة تراكم سلسلة من القرارات الخاطئة، لتتحول من أيقونة عالمية إلى حالة دراسية بارزة في إدارة الابتكار والفشل المؤسسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى