التقاعد تحت وطأة التضخم: كيف يحول ارتفاع الأسعار مدخرات العمر إلى تحدٍ يومي؟

مع بداية مرحلة التقاعد، يحلم الكثيرون بالراحة والاطمئنان المالي بعد سنوات طويلة من العمل، إلا أن الواقع غالبًا ما يكون أكثر تعقيدًا. فيلم “نومادلاند” يقدم صورة حية لهذا الواقع، حين نجد امرأة في أوائل الستينيات تجوب الولايات المتحدة داخل شاحنة صغيرة لم تعد مجرد وسيلة تنقل، بل أصبحت منزلها ومأواها، رمزًا لفقدان الأمان المالي والاستقرار الذي كان البيت الثابت يوفره يومًا ما.
الفيلم لم يروي مجرد رحلة فردية، بل سلط الضوء على أزمة أوسع تواجه كبار السن والمتقاعدين حول العالم: فقدان الاستقرار المالي نتيجة عوامل اقتصادية عميقة، من ضعف رواتب التقاعد إلى غياب الضمانات الكافية، وصولًا إلى الأزمات الاقتصادية التي تهز الأسر بشكل غير متوقع.
الواقع الاقتصادي الحالي يعكس الصورة ذاتها: ملايين المتقاعدين حول العالم يواجهون صعوبات حقيقية تتفاقم مع التضخم المستمر. الأموال المدخرة لفترة التقاعد، والتي كانت تُعد مصدر أمان، تفقد قيمتها تدريجيًا، ما يجعل السكن والطعام والرعاية الصحية أعباء ثقيلة يصعب تحملها.
الدول التي لديها أفضل أنظمة تقاعد، وفقًا لمؤشر “ميرسر للمعاشات التقاعدية” لعام 2024 (مقارنة بين 48 دولة):
الترتيب | الدولة | القيمة الإجمالية |
1 | هولندا | 84.8 |
2 | أيسلندا | 83.4 |
3 | الدنمارك | 81.6 |
4 | سنغافورة | 78.7 |
5 | فنلندا | 75.9 |
6 | النرويج | 75.2 |
على سبيل المثال، القوة الشرائية لمعاش ثابت لا تتكيف غالبًا مع ارتفاع الأسعار، بينما تلتهم المصاريف الطبية نسبة متزايدة من الميزانية، خاصة مع التقدم في العمر وارتفاع تكاليف التأمين الصحي.
البيانات تشير إلى أن نفقات المتقاعدين ارتفعت بمعدل سنوي نحو 3.6% خلال العقدين الماضيين، متجاوزة متوسط التضخم العام، ما يضاعف الضغط المالي على هذه الفئة.
يؤدي التضخم إلى تآكل قيمة النقود مع مرور الوقت، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للمتقاعدين الذين يعتمدون على دخل ثابت. فمثلًا، إذا كان المتقاعد يحتاج إلى دخل سنوي قدره 50 ألف دولار، فإن التضخم المستمر بنسبة 3% سنويًا سيخفض قيمته الحقيقية بعد 20 عامًا إلى نحو 27,700 دولار، أي بانخفاض يقارب النصف.

الأمر لا يقتصر على المتقاعدين، فالعاملون في مرحلة بناء مدخراتهم يواجهون ضغوطًا مماثلة، حيث يضطر كثيرون إلى تقليص مساهماتهم التقاعدية أو تعليقها لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية.
في الولايات المتحدة، يشكل التضخم مصدر قلق رئيسيًا، حيث أظهرت الدراسات أن أكثر من ثلثي الأمريكيين أصبحوا أكثر توترًا بشأن مستقبلهم المالي بعد التقاعد.
في المملكة المتحدة، تشير تحليلات مالية إلى أن استمرار التضخم فوق المستهدف الرسمي قد يؤدي إلى استنزاف المدخرات التقاعدية قبل الوقت المتوقع. حتى الدول ذات نظم التقاعد المتقدمة، مثل هولندا، بدأت تنفيذ إصلاحات تجعل المزايا التقاعدية مرتبطة بأداء الاستثمارات ومستوى التضخم، فيما تواجه الاقتصادات الناشئة ضغوطًا أشد على مدخرات المتقاعدين.
مع هذه المعطيات، أصبح التخطيط التقاعدي التقليدي غير كافٍ. ينصح الخبراء بتنويع الاستثمارات بين الأسهم، العقارات، والأدوات المالية المرتبطة بالتضخم لضمان نمو حقيقي للمدخرات. كما يُوصى بإعادة النظر في استراتيجيات السحب خلال التقاعد، وتأجيل استحقاق المعاشات الحكومية، أو العمل الجزئي بعد التقاعد، وحتى الانتقال لمناطق أقل تكلفة للمعيشة.
تبني خطة تقاعدية ديناميكية تأخذ التضخم في الحسبان أصبح ضرورة، فبدونها يظل خطر استنزاف المدخرات وانخفاض مستويات المعيشة قائمًا، ويصبح التقاعد مرحلة مواجهة مالية أكثر منها فترة راحة واستقرار.
التحدي لم يعد في احتمال تأثير التضخم على التقاعد، بل في كيفية التخطيط الذكي والمتوازن لحماية مدخرات العمر، لضمان ألا تتحول سنوات التقاعد إلى عبء مالي يهدد الاستقرار بعد انتهاء الحياة العملية.




