الاقتصاد الأمريكي المزدهر… لكن المواطن العادي لا يشعر به

مع تصاعد الأرقام الاقتصادية الإيجابية، يواصل مايكل جونز، البالغ من العمر 42 عامًا ويعمل في شركة لوجستية متوسطة الحجم، مراجعة فاتورة الكهرباء للمرة الثالثة هذا الشهر. الراتب ارتفع قليلًا هذا العام، لكن ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والتأمين الصحي جعل شعوره بالتحسن بعيد المنال.
جونز ليس حالة منفردة؛ فملايين الأمريكيين يعيشون اليوم مفارقة اقتصادية نادرة: مؤشرات رسمية تتحدث عن نمو الاقتصاد الأمريكي بأسرع وتيرة له منذ عامين، بينما يشعر المواطن العادي بأن الحياة اليومية تصبح أكثر صعوبة. فبينما ينمو الناتج المحلي الإجمالي ويُسجل أرقامًا قياسية، يظل تأثير هذا النمو محدودًا على الأسر الأمريكية.
الأرقام الرسمية كشفت عن نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.3% خلال 2025، غير أن استطلاعات الرأي أظهرت تراجعًا في ثقة المستهلكين، مؤكدًة أن الأغلبية لا تشعر بأي تحسن ملموس في أوضاعها.
المحللون الاقتصاديون يشيرون إلى أن الفجوة بين الأداء الكلي والواقع اليومي تتسع بسبب تركيز مكاسب النمو لدى فئات محدودة من المجتمع، فضلاً عن تأثير التكنولوجيا على سوق العمل، والسياسات الاقتصادية والجيوسياسية.
الناتج المحلي الإجمالي، رغم أهميته، يقيس حجم الإنتاج فقط ولا يوضح توزيع المكاسب. فالزيادة في استهلاك المواطنين، الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتحسن الصادرات كلها عوامل ساهمت في تسارع النمو، لكنها تركت الطبقات الوسطى وذوي الدخل المحدود تحت ضغط متزايد من ارتفاع تكاليف المعيشة، ما يعكس اقتصادًا منقسمًا على شكل حرف K: فئة عليا تستفيد من ارتفاع قيمة الأصول والأسهم، بينما تكافح الفئات الأخرى للحفاظ على قوتها الشرائية.
بيانات بنك أوف أمريكا تشير إلى أن نمو الأجور الحقيقي استهدف أصحاب الدخول المرتفعة فقط، بينما بقيت أجور الطبقات الأخرى دون مستوى التضخم. الأسعار ارتفعت بنسب ملموسة: الكهرباء 7%، الغاز الطبيعي للتدفئة 9%، واللحم المفروم 15% مقارنة بالعام السابق، في حين لم تتجاوز زيادة الأجور لدى الطبقة المتوسطة 2.3% ولدى ذوي الدخل المحدود 1.4%.

هذا التباين يعكس ظاهرة “انفصال الأجور عن الإنتاجية”، حيث يزداد الإنتاج الاقتصادي دون أن تواكب الأجور هذا النمو، ما يترك العامل العادي خارج دائرة الفائدة الحقيقية للنمو.
جزء كبير من النمو تحقق بفضل تحسين الإنتاجية واعتماد تقنيات حديثة، خصوصًا الذكاء الاصطناعي، وليس من خلال خلق وظائف جديدة. الشركات قادرة على زيادة الأرباح دون توسيع التوظيف بنفس الوتيرة، وهو ما يُعرف بـ «النمو بلا وظائف».
إضافة إلى ذلك، ضعف الأمان الوظيفي والقلق من فقدان الوظائف يعمقان الإحساس بأن التحسن الاقتصادي لا يصل إلى المواطن العادي، رغم أن معدل البطالة بلغ 4.6% وهو الأعلى منذ أربع سنوات.
السياسات الاقتصادية والجيوسياسية لعبت دورًا أساسيًا في هذه المفارقة. العقوبات الاقتصادية، الرسوم الجمركية على الواردات، وارتفاع كلفة المواد الأولية انعكست مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ما قلص المكاسب الحقيقية للنمو.
الناتج المحلي الإجمالي وحده لا يعكس جودة الوظائف أو توزيع الدخل أو الاستقرار الاجتماعي، وهو ما دفع بعض الدول، مثل نيوزيلندا، إلى اعتماد مؤشرات بديلة تركز على جودة الحياة والرفاه الاجتماعي.
النمو الاقتصادي، مهما كان رقميًا قويًا، لا يضمن بالضرورة تحسن حياة المواطنين. الأرباح ترتفع، وقيمة الأصول تتضاعف، بينما الأجور تتأخر وتزداد تكاليف المعيشة، ويستمر القلق بشأن الوظائف.
النمو الحقيقي هو ذلك الذي ينعكس على حياة الناس اليومية، على قدرتهم على الادخار، على شعورهم بالأمان والاستقرار، وليس مجرد أرقام على الورق.




